السياسةإن الوضع البشري يجعله يتموضع ضمن إطاره الذاتي من خلال الشخص وفي وجوده الاجتماعي مع الغير وفي سيرورة حياته التي يتضمنها البعد التاريخي وهذا يجعل من الإنسان كائنا يمكن أن يؤطر حياته الاجتماعية من خلال البعد السياسي :أن يعيش في مجتمع أي أن يعيش ضمن دولة وسلطة تضمن الحق والعدالة وتحارب العنف وبذلك تنفتح مجزوءة السياسة على مواضيع الدولة والعنف والحق والعدالة
1الــــــــدولــــــــــــــــة
يحدث غالبا الخلط بن القومية والدولة ففي المعنى الأول تكون القومية أو الأمة ككيان بشري له خصائص تاريخية وجغرافية ولغوية وثقافية مشتركة في حين أن المعنى الثاني هو المعنى الذي يفيد الدولة كمالكة للسلطة في المجتمع وهي من أجل ممارسة هذه السلطة تضع تحت تصرفها مجموعة من المؤسسات كالشرطة والجنود والموظفين والمحاكم والسجون وهي بذلك تكون مضطرة لممارسة العنف ومن ثم يكون التناول الفلسفي للدولة حاضرا من خلال الانشغال بالإشكالات التالية :
من أين تستمد الدولة مشروعيتها ؟من الحق أم من القوة ؟
هل يمكن حصر السلطة السياسية في أجهزة الدولة ؟
هل تمارس الدولة سلطتها بالقوة والعنف أم بالقانون ؟
1 - من أين تستمد الدولة مشروعيتها ؟ انطلقت بعض النظريات السسيولوجية من ربط مشروعية الدولة بممارستها للهيمنة والسلطة كيفما كان مصدر هذه السلطة وأن انصياع الناس لها راجع للخوف أو انتظار الحافز أو تحقيق المصلحة وقد حدد بعض السسيولوجيين المعاصرين أمثال ماكس فيبر أنماط الدولة وطبيعة الانصياع المرتبط بها فيتم الحديث عن الدولة التي تستمد مشروعيتها من التقاليد التي يكرسها الاحترام الذي يكون نموذجه الأب أو الشيخ الأكبر .وهناك السلطة القائمة على المزايا الشخصية للحاكم الذي يملك شخصية كارزمية كتلك التي يمارسها الأنبياء وتجد ما يوازيها في عالم السياسة في شخصية رئيس أركان الحرب أو العاهل أو زعيم الحزب وهناك مثال الدولة التي تستمد مشروعيتها على أساس الامتثال للواجب واحترام القوانين الجاري بها العمل .هكذا فخضوع الأفراد لسلطة الدولة لا بد من أن يكون محكوما بالخوف أو الأمل :الخوف من انتقام القوى السحرية للشخص الكارزمي أو الأمل في المكافأة ولعل الحديث عن الدولة ونشأتها يرتبط أيضا بالتصورات التي أنشأها فلاسفة العقد الاجتماعي أمثال توماس هوبز الذي أكد أن أساس قيام الدولة هو رغبة الناس في السلم والمسالمة فيتعاقدون على أن يسلموا السلطة لشخص واحد مستبد ( المستبد العادل ) كل ذلك بهدف تحقيق السلم والعدل في المجتمع ويدافع الفيلسوف العقلاني سبينوزا عن فكرة أن الهدف من قيام الدولة ليس هو تحقيق السلم فقط بل تحقيق الحرية أيضا فالدولة التي تضمن لأفرادها الحرية تسمو عن أن تمارس الترهيب والتخويف ضد مواطنيها بل تسعى إلى أن يحتفظ كل مواطن بحقه الطبيعي في الحياة والعمل دون إلحاق الضرر بالآخرين فلا يتحول الإنسان في كنف الدولة العادلة إلى آلة منفذة بل تكون له الحرية في أن يستعمل جسده وذهنه بحرية وأمان .
استنتاج :إن الدولة في هيمنتها وسلطتها لا بد من أن تعتمد على أدوات وآليات لحفظ النظام وفرض احترام القانون إلا أن غايتها لا تنحصر فقط في هذا الجانب القائم على إخضاع الرعايا بل يجب أن تضمن لهم الأمن والحرية .
2-هل تعتبر ممارسة السلطة حكرا على الدولة أم أن الديمقراطية تفرض غير ذلك؟ إن الحديث عن الدولة وكيف تمارس سلطتها كان من اهتمامات فلاسفة عصر الأنوار حينما تم تنميط الأنظمة إلى ديكتاتورية وديمقراطية وظهرت تصورات تتحدث عن السلط وشكل توزيعها واختصاصات كل سلطة فكانت نظرية مونتيسكيو في السلط وتوزيعها ففي كتابه روح القوانين يتحدث عن السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية وينادي بضرورة فصل السلط لتحقيق الديمقراطية فلا حرية إن لم تفصل السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية فإذا ضمت السلطة التشريعية إلى القضائية كان الحكم على حياة الناس أمرا تعسفيا لأن القاضي هو المشرع وإذا ضمت إلى السلطة التنفيذية سار للقاضي قوة الطاغية .وفي الفكر السياسي المعاصر يؤكد بعض الفلاسفة أمثال ميشيل فوكوه أن سلطة الدولة ليست فقط منحصرة في الأجهزة الكلاسيكية والقمعية التي يكون الهدف منها حفظ النظام بل هناك سلطة أخرى هي السلطة الإيديولوجية والتي تتمثل في ما تنتجه الدولة أو تشجع إنتاجه من نقابات وجمعيات وأحزاب ومدارس وبذلك تندرج الدولة في مجتمع الأفراد وتوجد بينهم أي أن الدولة لم تعد مؤسسة تحكم من عل بل توجد بين الأفراد ...
استنتاج :الدولة لا تمارس سلطتها بشكل مباشر بل عبر وساطات أجهزة و لا تقتصر هذه الأجهزة على الأجهزة القمعية و التي يكون هدفها هو حفظ النظام بل هناك أيضا الجانب الإيديولوجي والذي يساهم هو أيضا في حفظ بقاء الدولة وفرض سلتطها .
3-هل تفرض الدولة سلطتها بالعنف أم بالقانون؟ مند القرن 16م ظهرت أفكار ميكيافيلي في كتابه الشهير الأمير مؤكدا أن الدولة تمارس سلطتها وهيمنتها إما بالقانون أو بالعنف فالأمير عليه أن يقلد الحيوان وأن يحافظ مع ذلك على إنسانيته وقد تفرض الظروف أن يتظاهر بالإنسانية والعطف والحنو...أي أن يكون خيرا عند الضرورة وأن يستعمل إمكاناته في الشر عند الضرورة أيضا.وقد كون الفكر الماركسي تصورا مختلفا عن الدولة عندما جعلها تجسيدا للصراع السائد في المجتمع فهي من جهة نتيجته ومن جهة مجسدة له في إطار العلاقة بين الفكر والواقع أي البنية الفوقية والبنية التحتية والتي هي من طبيعة جدلية .
استنتاج : يسود في الدولة نظام القانون و لا يمكن للدولة أن توجد إلا كنظام يمكن أن يكون في نظر المواطنين ظالما ولكن تطبيقه للقانون يجعل من الدولة نموذجا لتطبيقه صحيح أنه ليس كل ما هو قانوني عادل كقوانين الغزاة والمستعمرين والقوانين العرفية ومع ذلك فكل الدول تحتكم إلى القانون بغض النظر عن مدى عدالته .
2الـعـــنـف
يفهم من العنف أنه كل فعل معادي يهدف إلى إلحاق الأذى بالغير بحيث يشمل العنف ما كان منه جسديا أو نفسيا أو معنويا أو رمزيا ويتضمن العنف أيضا كل أدواته ابتداء من اللغة إلى الأدوات الحديثة للتعذيب أو التحقير وهي أدوات تتنوع من أبسطها إلى أكثرها تعقيدا وتقنية ومهنية وإذا كان العنف ظاهرة مرتبطة بالسلوك الغريزي للحيوانات وللإنسان فإن التطور التقني لهذا الأخير أضفى على العنف طابعا مختلفا حيث يتجاوز الغريزة وما يفرضه حفظ البقاء إلى الفعل الممنهج المقصود ووعيا من البشرية بأن العنف عمل يحيد عن الأخلاقيات البشرية فقد سعت إلى الحد منه ومن مظاهره ومحاربته باللجوء إلى القانون تارة وباللجوء إلى الأخلاق والضمير تارة أخرى وباللجوء إلى التطور الحتمي للمجتمعات عبر الإعلاء والإبداع أو تنظيمات المجتمع المدني أو أشكال المجتمع الديمقراطي الذي يحول العنف من عنف سافر علني إلى عنف يتمظهر في المماحكات السياسية والحوار ويقدم المجتمع نماذج متعددة للدولة الحديثة التي أوجدت ترسانة من التنظيمات لامتصاص عنف الأفراد.ويطرح العنف بوصفه ظاهرة مرافقة للإنسان عبر مر العصور الإشكالات التالية :
-ما هي طبيعة العنف وما هي أشكاله ومظاهره ؟
-كيف يتولد العنف في التاريخ البشري ؟
-هل من المشروع ممارسة العنف ؟
1-ما هي طبيعة العنف وما هي أشكاله ؟يحفل تاريخ البشرية بالكثير من أشكال العنف ،وكلما تطورت الإنسان تطور أسلوب العنف الذي يمارسه على الغير إلا أنه عموما يمكن التمييز بين شكلين من أشكال العنف :
أ –العنف الجسدي الذي لا يتخذ الشكل التقليدي المتمثل في أنواع التعذيب التي عرفها الإنسان والتي تعقدت وتفننت أكثر مع تعقد الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية حينما يضطر الجلادون إلى انتزاع الاعترافات والإقرار بالجرائم خاصة في الأنظمة الديكتاتورية بل إن العنف الجسدي يمكن أن يتخذ شكل التعذيب الجماعي نقص التغذية مثلا والإعدامات الجماعية أو حتى حروب الإبادة التي شهدتها نهاية القرن العشرين والتي تنطلق في الغالب من اعتبارات إثنية كما في رواندا أو البوسنة ويتخذ العنف حسب إيف ميشو أشكالا أخرى تتمثل على وجه الخصوص في الإجرام كعنف يواجه به العنف الإجتماعي .وقد تطورت أساليب هذا العنف من امتلاك الأسلحة ووسائل التخريب الجماعي التي ترتبط بتجارة السلاح العالمية ومردوديتها الخيالية على الدول الصناعية إلى استعمال الوسائل المتاحة لتدمير الغير السلاح الأبيض اليدين الهراوات ...
ولا ينفصل العنف عن وسائل الإعلام التي توظفه وتنشره بالطريقة التي تريد فالإرهاب العالمي والتعذيب والإعدامات بل حتى المناورات العسكرية هي مؤشر على تلازم العنف مع الإعلام .كل هذا يؤكد أن العنف أصبح أكثر تنظيما ويخضع لاستراتيجيات البلدان وتخطيطها وقابل للتحكم والتوظيف .
ب- العنف الرمزي أو العنف غير الفيزيائي وقد تم استشعار أهمية هذا العنف ومدى فعاليته حين يقارن بالعنف الكلاسيكي فهو يمثل الشكل اللطيف من العنف الذي يمارس على الأفراد والجماعات انطلاقا من وقائع اجتماعية فبحكم العيش داخل نظام اجتماعي فإن تقبلنا التلقائي للآراء والمعتقدات السائدة والمتداولة هو نوع من الإكراه المفروض وهو من تم يشكل عنفا ضد الأفراد فالبداهات الاجتماعية وقبول القواعد المفروضة داخل المجتمع حسب بنيته هو أيضا شكلا من أشكال العنف .
استنتاج :إن كل فعل يتصرف فيه الفرد كما لو كان وحده هو من يملك القرار هو عنف ويمكن اعتبار العنف خاصية بشرية بحيث أن التعاريف التي كثيرا ما ألحقت بالإنسان لتعريفه كالقول بأنه كائن مفكر أو صانع أو ضاحك لا تنفي من اعتبارها كون الإنسان كائن عنيف إلا أنه مظاهر العنف لا تقف عند الحدود الفيزيائية التقليدية القائمة على إلحاق الأذى المادي بالغير بل يدخل ضمن العنف العنف الرمزي المعنوي أو العنف الهاديء.
2-كيف يتولد العنف في التاريخ البشري ؟ترى المادية التاريخية بحكم اعتمادها على التفسير المادي لتطور التاريخ كيف أن مفهوم الصراع هو المفهوم المركزي في كل سيرورة فمند ظهور الأشكال الأكثر بدائية لأنماط الإنتاج والمتمثل في المشاعية البدائية إلى الرأسمالية مرورا بالعبودية والإقطاع كان الصراع والعنف دائرا بين من يملكون وسائل الإنتاج وبين من لا يملكون وكلما تطورت المجتمعات تحول هذا العنف من مواجهة مادية مفتوحة إلى أساليب أكثر حضارية عبر الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والمهنية إلى جمعيات المجتمع المدني بحيث يتخذ الصراع وجها إيديولوجيا واضحا .إلا أن التاريخ البشري ليس فقط بهذا الشكل الذي يطبعه الصراع الطبقي بل هو أيضا تنافس من أجل فرض السيطرة حيث يتخذ الصراع والعنف شكل التنافس كما يحدث بين الحيوانات .وإذا كان الصراع بين الحيوانات يحل عن طريق الخضوع أي هيمنة الأقوى على الأضعف فإنه لدى الإنسان فإن الخضوع لا يكون تلقائيا بل يمارس الأفراد عنفا مؤجلا عن طريق سلسلة من الانتقامات لا تنتهي والتي قد تتخذ شكل عنف جماعي معدي قد يؤدي إلى إبادة جماعية بل إن علماء المستحثات البشرية يفترضون أن العديد من المجموعات البشرية إنما كان انقراضها نتيجة لهذا العنف المتبادل والجماعي ولقد استطاعت الكثير من الجماعات البشرية تحويل العنف بينها وإذابته في شكل عنف موجه نحو الذبيحة أو الفدية أو الأضحية في شكل طقوس تطفئ العنف الموجه إلى الأفراد وبينهم .
استنتاج :لا يوجد بالنسبة للدراسات المعاصرة عنصر وراثي يمكن أن يفسر العنف فكل ما عرفته البشرية من حروب تدمير أو إبادة جماعية إنما كانت كنتيجة للمحافظة على البقاء والمحافظة على المجال الحيوي الذي كان منشأه الأصلي الزراعة ومجالاتها والرعي ومجالاته وأن القول بانتقال العنف في تطور المجتمعات من صيغته البشرية إلى صورة الفدية الحيوانية إلى صورة الفدية الإنسانية كما عبرت عنها المسيحية إنما يقوم على فرضيات لا يمكن إتباثها .
2-هل من الشروع ممارسة العنف ؟ينطلق علماء الاجتماع أمثال ماكس فيبر من أن جوهر أية سلطة هو أن تمارس العنف ذلك لأن التعاقد الاجتماعي يقضي بأن يسلم الأفراد القياد للسلطة الحاكمة وأن يتنازلوا لها عن الحق في ممارسة العنف باسم تطبيق القانون وذلك في ظل نظام ديموقراطي يقوم على تقسيم السلط ومراقبة بعضها لبعض وتقوم السلطة الديموقراطية على التمثيلية الانتخابية فمشروعية العنف ترتبط بالدولة الحديثة التي تضع له قوانين وتحتكر استعمال العنف لصالح المجموعة .ولقد سادت في تاريخ الفكر الإنساني نماذج راهنت على اللاعنف كفعل إيجابي فلقد أكد الزعيم الهندي راجيف غاندي على سلبية العنف فلا يمكن أن نبني علاقات اجتماعية متينة على استعمال العنف. على أن اللاعنف ليس استسلاما بل هو نضال ضد الحقد والشر فلا يولد العنف إلا عنفا مضادا ويوقد المزيد من الانتقام والرذيلة ولا يمكنه أن يكون بناء بتاتا
استنتاج : . لقد انتهى فلاسفة الحق الطبيعي إلى التأكيد على أن حالة الطبيعة هي حالة ظلم وجور استطاع الإنسان تجاوزها عندما تنازل عن الحق في الصراع والعنف من أجل ما هو أهم وهو العيش الآمن فسواء تعلق الأمر بالمستبد العادل أو تعلق الأمر بالعقد الاجتماعي والدولة الديموقراطية فإن من حق الدولة فقط استعمال العنف الذي من شأنه أن يقف في وجه الانتقام الفردي الذي لا ينتهي لأن تطبيق القانون والعقوبات حتى وإن نظر إليه على أنه عنف فهو في النهاية عنف ضد العنف .
3 الحق والعدالة
يقوم مفهوم العدالة على مجموع القواعد القانونية والأخلاقية التي يعتمدها مجتمع ما في تنظيم العلاقات بين أفراده حيث يتعلق الأمر بالحقوق والواجبات والجزاءات ...وحسب هذا التعريف فإن للعدالة مظهرين أحدهما موضوعي يتمثل في القوانين وتطبيقاتها والمؤسسات التي أوكل إليها المجتمع مهمة تطبيق القانون وتحقيق العدالة وثانيهما أخلاقي يربط بما تمثله العدالة من قيم أخلاقية سامية كإحقاق الحق ورفع الظلم وهذا يضفي عل العدالة بعدا مثاليا تجعل كل الأفراد داخل المجتمع هم بالضرورة عادلون ينزعون عنهم صفات الأنانية والعنف وهم بذلك يمتثلون للقوانين بصورة طوعية دون إكراه .ويطرح مفهوم العدالة ومفهوم الحق باعتبارهما مفهومين متجاورين الإشكالات التالية :
-هل ترتبط العدالة بالحق الطبيعي أم أن العدالة والمفاهيم المرتبطة بها وليدة المجتمع المدني فهي من طبيعة وضعية ؟
-ما هي العلاقة التي تربط العدالة بالحق وأيهما أساس الآخر؟
-هل تحقق العدالة الإنصاف لجميع أفراد المجتمع ؟
1-يرى فلاسفة الحق الطبيعي أمثال توماس هوبز أن الحق الطبيعي يمثل الحرية التي لكل فرد في أن يسلك وفق ما تمكنه منه طبيعته فلكل فرد الحق في أن يفعل ما يستطيع فهذا النوع من الحق قائم على القوة لأن الطبيعة لا تعترف بحق غير حق القوة ولما كان كل فرد مهما بلغ من القوة لا يمكنه أن يصل إلى الحد الذي يمكن للطبيعة أن تبلغه فلا يمكنه المحافظة على قوته بوتيرة منتظمة وقارة فإنه كان لا بد من أن يتنازل عن حقه في الصراع من أجل ما هو أسمى وهو العيش الآمن أي أن الأفراد لكي يعيشوا في أمان كان عليهم أن يسلموا السلطة لشخص واحد مستبد يستطيع أن يردع اندفاعاتهم وعنفهم فإذا كان الإنسان ذئب لأخيه الإنسان فإن وجود شخص يهابه الجميع بإمكانه أن يقمع الشر المتأصل في الأفراد ومن تم لا ترتبط العدالة بالحق الطبيعي لأن حق الطبيعة هو حق القوة ويشرعن قانون الغاب.وبالرغم من أن المفكر الفرنسي جون جاك روسو يخالف هذا التصور عن حالة الطبيعة والقانون الذي تعترف به فهو أيضا يؤكد أن الحق الطبيعي هو حق الاندفاعات والرغبات الأنانية وأن الميزة الأساسية لحالة التمدن هي إنهاء الأنانية والاندفاعات الفردية التي لا تحتكم إلا إلى الحرية والشهوة ففي حالة التمدن يتم الخضوع للقوانين التي شرعها الإنسان ففي الخضوع لهذه القوانين حرية وفي الخضوع للشهوات والاندفاعات استعباد.
استنتاج :إن العدالة كمفهوم قيمي يرتبط لا محالة بوجود الإنسان الذي كان دائما يطمح إلى النماذج المثالية إلا أن الواقع يجعل العدالة مرادفة للقانون والتشريع فمند التشريعات الأولى التي عرفتها البشرية كانت الغاية هي الإنصاف وإن كان ما هو قانوني ليس دائما عادلا فما يوجد في الدساتير والقوانين والمراسيم ليس دائما فالمشروع هو ما يستجيب للقيم الأخلاقية في تحقيق العدالة والإنصاف أما الشرعي فهو ما تتيحه القوانين والذي لا يكون دائما عادلا .
1- ما هي علاقة الحق بالعدالة ،وأيهما يؤسس الآخر ؟
تتحدد العدالة حسب أرسطو في تقابلها مع الظلم فالسلوك المشروع هو السلوك الذي يتفق مع القانون والذي يضمن لكل حقه حسب تناسب يشير إليه الميزان كرمز للعدالة وهذا هو ما تعبر عنه الفلسفة الأرسطية باسم الوسط العادل أو الوسط الذهبي لوسط بين طرفين أحدهما إفراط والآخر تفريط.وبذلك يكون الفعل العادل ليس فقط فعل أخلاقي بل فعل عملي يضمن السعادة للجماعة السياسية وللأهمية التي يعطيها أرسطو للعدالة يختزل فيها كل الفضائل بقوله ( كل الفضائل توجد في طي العدالة ).
ونظرا لتطور المجتمع والأنظمة السياسية والاقتصادية سترتبط العدالة بطبيعة النظام السياسي والاقتصادي السائد فلقد أكد الكثير من الاقتصاديين الليبراليين على أن العدالة هي السلوك الذي يكفل الحق في منظومة قانونية شرعية داخل مجتمع تسوده الحرية والقوانين ومن ثم فإن ما يسمى العدالة الاجتماعية أو التوزيعية لا يحمل أي معنى إلا في نظام شرعي ففي المجتمع العادل الذي تسوده الحرية تكون الحقوق القائمة على قواعد العدالة هي ما يضمن أن تكون هذه القوانين ملزمة للجميع .
استنتاج :لا يوجد العدل كمفهوم قيمي متعالي على الواقع بل إن العدل تعاقد قيمي بين أفراد المجتمع يجد أجرأته في شكل قوانين .يقول الفيلسوف اليوناني أبيقور لا يوجد عدل في ذاته ،بل العدل تعاقد مبرم بين الأفراد والمجتمعات في أي مكان وفي أي
عصر كان ،والغاية منه ألا يلحق أحد ضررا بغيره وألا يلحقه منه ضرر.
1- هل بإمكان المجتمع أن يحقق المساواة بين أفراده وينصفهم جميعا ؟
مند اليونان مع أفلاطون كانت العدالة دائما مرادفة للانسجام فقد نقل هذا الفيلسوف اليوناني صور التراتب الموجود في النفس إلى المجتمع باعتبار الغاية المشتركه وهي غاية تحقيق الانسجام المؤسس على الخضوع فإذا كانت النفس تنقسم إلى ثلاث قوى قوة شهوانية وقوة غضبية وقوة عاقلة فإن الانسجام بين قوى النفس يفترض خضوع القوة الشهوانية للغضبية وخضوعهما معا للقوة العاقلة فكذلك الأمر في الطبقات الاجتماعية فإن المجتمع المكون من ثلاث طبقات هي طبقة الصناع وطبقة الحراس وطبقة الحكام فإن العدالة تتحقق بخضوع الصناع للحراس وخضوعهما معا للحكام فالعدالة إذا تتمثل في الانسجام الذي لا يتحقق إلا بالخضوع .ولعل التطور الذي عرفه المجتمع المعاصر جعل صورة الدولة والعدالة التي تحققها مختلفة عن النظرة اليونانية ولهذا السبب يتحدث ماكس شيلر عن المساواة الجائرة فالعدالة الاجتماعية لا تتنافى في اعتقاده مع أشكال من التفاوت الفكري والاقتصادي والاجتماعي بل إن العدالة المنصفة هي التي تراعي اختلاف وتمايز الناس ليس فقط في أمزجتهم بل أيضا في مؤهلاتهم وقدراتهم ،ويمكن نقل هذا التصور إلى المجتمع المعاصر عندما يفاضل بين الأفراد حسب ما يستطيعون تقديمه للمجتمع فكل فرد داخل المجتمع حسب ما له من كفايات وقدرات ومن الجائر التعامل مع كل الناس على أساس المساواة .
استنتاج :إن المساواة والعدالة في التداول الفلسفي قيمة تجعل الأفراد سواسية داخل التنظيم الاجتماعي وهم في نظر العدالة سواء أي يخضعون لنفس القوانين وتطبق عليهم بالتساوي أما في المجتمعات المعاصرة فقد كان لابد من خرق هذه القاعدة لوجود تفاوت بين الناس في القدرات والكفاءات تحول دون اعتبارهم متساوون فيكون من غير الإنصاف المساواة بينهم رغم أن الأنظمة الديموقراطية تقر بأن كل الناس في المجتمع هم سواء أمام القانون.ينضاف إلى هذا الموقف التصور الذي حمله التاريخ عن المجتمعات الاشتراكية والتساؤل فيما إذا كانت فعلا اشتراكية أي تؤمد بالمساواة والتوزيع العادل للثروات أم أن انهيار أغلبها هو مؤشر على أزمة التطبيق.