قصــة : كابوس الساعة

 Par  Bilil Fatima zohra  (?)  [msg envoyés : 16le 14-12-11 à 10:26  Lu :1716 fois
     
  
 accueil


‏ C’est le texte d’un de mes élèves que je publie dans cette rubrique.
قصــة محمد الخـو
كابوس الساعة
لن ينسى دلك الكابوس المروع الذي هز أطرافه وزعزع أوصاله، والدي مهده إلى الطريق الصحيح والاعتدال بعيدا عن عالم التطرف والانحراف الذي تعيشه أغلبية المجتمعات خصوصا الشباب منهم. عالم كان يعيشه كشاب لا يهتم بنفسه ولا بمستقبله تقوده الشهوات واللذات إلى عالم مليء بالتفاهات واللامبالاة يفسد كل شخص اعتنقه، وذلك من أجل الهروب من مبدأ الواقع والانغماس في اللاوعي الذي يشكل خطرا علينا رغم وعينا به في نفس الوقت .
لم يكن يتوقع أن أمه ستتركه بهذه السهولة بعد وفاة أبيه التي كانت بالنسبة له كطفل في السابعة من عمره، كان يعتني به جيدا يخرج معه أثناء عطلة كل أسبوع إلى المدينة للترفيه وزيارة الأصدقاء والذهاب معه إلى المقهى لشرب المرطبات المفضلة لديه التي يعدها العم قاسم الذي يعمل كنادل بالمقهى، رجل في الأربعين من عمره يافع نشيط في عمله أسمر البشرة صغير العينين متوسط القامة فجميع الزبائن يحبونه فكلما يذهب إلى هناك يحضر له المرطبات دون أن يطلبها، وزيادة على دلك يعطيه كأسا إضافيا مجانا. أما أمه فتذهب لزيارة صديقاته صديقات الأمس.
رحل كل شيء كأنه لم يعش هذه الأحداث أبدا فلم يبقى بجانبه سوى خالته سعاد؛ بعد هجرة أمه إلى أحد المدن الفرنسية واستقرارها هناك بعد زواجها برجل فرنسي يعمل في مجال الفندق، هذا ما سمعه أثناء مكالمة أمه لخالته عبر الهاتف. كانت ترسل إليها كل شهر قسطا من المال للاعتناء به وتوفير كل ما يريد من حاجيات، لكن لا يمكن لها توفير الحنان والأمومة التي كان يحظى بها من قبل، فالوالدين هم عمود التربية بالنسبة لنا كعرب وكمغاربة مسلمين. فخالته لم تقصر في تربيته والاعتناء به على أحسن وجه، لقد كرست حياتها من أجله كانت فتاة شابة بيضاء البشرة على ملامحه ابتسامة تبعت الاطمئنان في القلوب، لكن تلك الابتسامة زالت واختفت بعد وفاة خطيبها يوم زفافهما إثر حادثة سير. مسكينة خالته لقد عانت كثيرا بعد وفاته وأقسمت على أن لا تتزوج بعد ذلك. لا زال يتذكر عندما كان يزورها فعند كل زيارة يحضر له شكولاط ( المروخا ) المفضلة لديه. كان شابا وسيما محترما ولطيفا لقد أسف كثيرا على وفاته. كانت حادثة سيئة وصدمة عميقة بالنسبة لخالته، فيوم فرحها تحول إلى حزن دام شهورا حتى دخلت عليها أمه في أحد الأيام إلى غرفتها فوجدتها ملقاة على الأرض في حالة إغماء لولا تدخل أمه في اللحظة الناسبة للحقت بخطيبه الراحل، هذا ما كانت تريده هو الالتحاق به في الحياة الأخرى، كانت تحبه كثيرا لدرجة الموت لم يكن يعرف أن من أجل الحب يمكن للإنسان أن يضحي بنفسه من أجل الأخر.
عندما يرى أولياء التلاميذ يأتون لاصطحاب أولادهم من المدرسة يشعر كأنه وحيد في هذا العالم، في تلك اللحظة يتذكر عندما كان أباه يأتي لأخذه إلى المنزل.
كان دائما يتمنى أن يكون له صديق يشاطره طفولته، حتى جاء يوم تعرف فيه على صديق في نفس الوقت زميله بالقسم وكذلك يقطن بحيه _ حي الغمارين _ التي تقع جنوب مدينة سيدي سليمان الصغيرة. كان صديقه الجديد عثمان بمثابة أخ له، يلعبون ويلهون معا أثناء فراغهما ويتعاونون على إنجاز الدروس والتمارين المنزلية بمساعدة خالته ولا يفترقان طوال النهار.
توالت الأيام والسنين مودعا عهد الطفولة ومستقبلا عهد الشباب. حصل على شهادة البكالوريا شعبة العلوم الطبيعية، انتقل إلى المرحلة الجامعية بكلية الطب بالرباط حلمه الوحيد هو أن يصبح في أحد الأيام طبيبا يسهر على معالجة الناس أولا وخالته التي شجعته على هذه المهنة الشريفة بحيث أن خطيبها الراحل كان يعمل طبيبا بالمستشفى البلدي للمدينة .
نيفت خالته على الخمسين من عمرها. يشكرها كثيرا على وقوفها معه وعلى ما وصل إليه، والاهتمام به كان يسمع عند كل أخر صلاة تدعوا له بالنجاح والتوفيق في حياته الدراسية والمستقبلية. فسألها في أحد الأيام عن الأدعية فقالت له:
_ إن من سمات المسلمين الدعاء لله تعالى حتى يبعد عنا كل ضر ومكروه وأن يوفقنا فيما يرضيه.
بعد مرور أربع سنوات على دراسته بالجامعة هاهو يدخل إلى المنزل:
_ السلام عليكم يا خالة
_ وعليكم السلام يا بني كيف حالك؟
_ بخير لقد اشتقت إليك كثير
_ وأنا كذلك. أحس بالوحدة عند ذهابك إلى هناك للدراسة، متى ستعود إلى الكلية؟
_ بعد يومين
_ لملا تجلس هنا لبعض الأيام إني افتقدك كثيرا ؟
_ لا يمكنني فلدي أعمال أقوم بها
_ نعم اهتم بدراستك أولا
_ بعد تخرجي سوف أجلس وأقطن معك ولن أفارقك أبدا
_ أتمنى لك حظا سعيدا في مسيرتك هذه
_ لا تقلقي بهد الشأن فلم يبقى سوى القليل حتى أتخرج
_ لا تقل هذا يا بني فأنا لا أقلق عليك اقترب مني
_ ما الخطب يا خالة؟ أشعر بأنك لست على ما يرام بلا شك هل تعاني من شيء ما!؟
_ لا...لاشيء إني بخير على ما يرام
في الحقيقة يحس بأنها ليست على ما يرام وهو قلق عليها كثيرا
_ المهم هو أن أراك في أحد الأيام رجلا لديك زوجة وأبناء أسهر على تربيتهم كما ربيتك أنت علي قد لا أراهم!
_ لا تقولي هذا، مازالت ستعيشين حياة أطول وستكونين جدة لأولادي
_ أشعر بأن عمري بدأ ينفد ونهايتي أوشكت على الاقتراب أريد أن يأخذ صاحب المنية منيته وأنا مطمئنة عليك
_ بالله عليك لا تقولي هذا
مازال يدرس ولم يتخرج بعد يحس بأن خالته لم يبقى لها سوى القليل وهذا واضح من خلال كلامها له لا يريد أن يفقدها كما فقد أباه وأمه حتى أمه لم تعد تتصل به كالسابق.
عند كل عطلة صيف يأخذ خالته معه إلى أحد المدن الساحلية للتمتع بالعطلة والابتعاد عن جو المدينة الحار. هذه المرة أخدها إلى مدينة الرباط حيث يدرس لزيارة ضريح الملوك والترحم عليهم وزيارة بعض المعالم التاريخية كصومعة حسان والذهاب إلى البحر للتمتع بأمواج البحر وهديره الأبدي الذي لا ينتهي إلا عند انتهاء مستمعه من الإفراج عن كل هموم الدهر.
بعد حصوله على شهادة الإجازة في الطب فرح كثيرا ستفرح خالته كذلك بهذا الخبر السار، سوف يتصل بها ليخبرها بأنه قد حصل على شهادة لا...لا سيجعلها مفاجأة لها، إنه متلهف لرؤيتها ولمشاركتها فرحته. اتجه صوب محطة القطار المتوجه نحو المدينة وهو على سرور وفرحة.
وصل إلى مدينته أخد سيارة أجرة صغيرة للوصول بسرعة إلى المنزل، وصل إليه ودخل وهو ينادي خالته كان المنزل مليئا بالسكون كأنه مهجور مند سنوات. علها قد ذهبت إلى أحد جيرانها أو صديقاتها وفي لحظة لمح مفتاح باب المنزل معلقا على الحائط فتأكد أنها لم تخرج ولم تذهب إلى أي مكان ربما تكون نائمة أو أنها تصلي، فتح باب غرفتها مستأذنا فوجدها ممددة على السرير وبيدها صورة خطيبا الراحل وعلى أنفها دم، عند رؤيته لدلك المنظر شعر بأن الغرفة دارت به دورة خفية وأن عروقه تجمدت وببرودة تسري في جسده، اقترب منها ودقات قلبه تزداد خفقانا فاقترب منها أكثر فأكثر ليتحسس عروقها ليرى ما إذا كانت على قيد الحياة فخاب أمله وبدأ يصرخ بصوت مرتفع تقشعر له الأبدان
_ لا ...لا يمكن لقد فارقت الحياة ...لقد فارقت الحياة !
حتى سمعه الجيران فأسرعوا إليه من كل ناحية لتفقد الأمر ومعرفته، فوجدوه بالقرب منها يبكي ويصرخ كطفل صغير يبحث عن أمه وسط حشد كبير من الناس
_ لماذا تركتني الآن في هذا الوقت ؟ آه آه لماذا يا رب أخدتها لم يبقى لي في هذه الدنيا سواها ؟!
لقد وعدها بأن يحقق لها ما كانت تحبه فهي أمله الوحيد في هذا الوجود، فبدأ الناس يواسونه ويصبرونه << البركة في راسك >> لقد كانت بمثابة ثاني صدمة في حياته بعد وفاة أبيه.
عند ذهابه إلى المستشفى لمعرفة سبب الوفاة أثبتت التحاليل أنها كانت تعاني من مرض عضال
_ لماذا يا خالتي أخفيت عني هذا؟
الطبيب:
_ هذه مشيئة الله لا يمكننا التحكم بها أبدا
_ لقد حرمني من أبي وأمي والآن خالتي ماذا يريد مني ؟!
_ استغفر يا ولدي لا تقل مثل هذا الكلام فهذا قدرها
وهو ذاهب في صمت وراء النعش إلى المقبرة لدفن خالته يستذكر ماضيه الجميل الذي لا يخلو من الفرحة والحب والسعادة والأوقات الحميمية الجميلة التي مر بها مع خالته. وصل إلى المقبرة والناس يرددون كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله واقترب منه أحد الفقهة فقال له :
_ جهز نفسك يا ولدي لدفن أمك
_ ليست أمي إنها خالتي
_ هل لها أولاد يقومون بدفنها ؟
_ لا ليس لها أولاد لأنها ليست متزوجة
_ لا حول ولا قوة إلا بالله
_ سأقوم أنا بدفنها حتى تكون فرحة بي ربما قد أحقق لها بعض ما كانت تريده
وهو يقوم بعملية الدفن يسمع الناس والفقهة يقولون الله يرحمها تم يتلون سورة ياسين وبعض الأدعية كان يسمعها من خالته، ذهب الناس لحالهم وبقي بالقرب منها يبكي ويتحسر من شدة الفراق حتى غروب الشمس.
عادت أمه من فرنسا مع زوجها << فرانسوا >> بعد أسبوع على تشييع الجنازة.
_ << بونجوغ مون فيس كومون فتي سف بيان تي مو مونك جوسوي طغي ديزولي بوغ موغ طا أونت >>
_ حتى لغتك هجرتها لماذا أتيت متأخرة؟ ما كان عليك أن تأتي أبدا
_ هكذا يرحب الإبن بأمه بعد غياب دام عشرون سنة!
_ وهكذا تنسى الأم إبنها وأختها هذه المدة كلها
_ أقدم لك زوجي فرانسوا
_ لا أريدك أنت ولا زوجك
_ أعذرني يا ولدي فلم تسمح لي الظروف بالمجيء
_ عشرون سنة والظروف لم تسمح لك بالمجيء، أي ظروف هذه ههه هههه أنا لست إبنك اتركيني لحالي
_ لا تقل هذا فأنا أمك
_ أمي هي خيرة إذا كنت أمي فعلا ما كان عليك أن تتركيني وتهاجري
_ لم يكن بوسعي أن أحقق لك ما تريد من حاجيات، لذا قررت الذهاب إلى هناك لتوفير كل ما تريد
_ أتدرين؟ لم توفري أي شيء أي شيء أين الحب والحنان والأمومة؟ فالمال لا يمكنه أن يحقق هذا كله
_ لقد تغيرت كثيرا يا بني
_ لا تناديني من الآن فصاعدا بابني أنا مجرد لاشيء
بعد إقامتها لمدة أسبوع تقريبا بالمغرب قررت العودة إلى وطنها الأخر الذي سلبها منه فأرادت أن تسلب وطنه بأخذه إلى هناك ليتم دراسته، لقد رفض لكونه يحب وطنه كثيرا ولا يمكنها أن تعوض له ما فات. لقد عرف بأن الموت إذا سلب أعز شيء للإنسان فلا يمكنه أن يعيده فيصبح جزءا من العالم الآخر البعيدين عنه كل البعد، ولن نقترب منه إلا في احتضار.
غادرت أمه وازداد اكتئابا وعزلة بعد فقدانه أعز ما كان له في هده الحياة؛ حياة قوامها المعاناة والأحزان وفقدان الأمل في كل شيء في هدا الوجود، حتى صديقه الوحيد عثمان رحل إلى مدينة طنجة للاستقرار هناك بعد زواجه من إبنة عمه. أصبح وحيدا في هذه المدينة لا معين ولا قريب يعطف عليه لقد تدهورت حالته وساءت لدرجة أصبح متقوقعا على نفسه وفضل عدم الخروج من المنزل إلا بعد مرور شهر تقريبا. كانت حالته في غاية الضعف لن ينسى خالته ولن ينسى كذلك الأيام التي قضاها برفقتها.
حل الصيف وحلت معه حرارته تصبح المساكن في هده الوقت من السنة ساخنة بفعل درجات الحرارة التي تتجاوز الأربعين لدى قرر الخروج إلى المدينة للتنزه والتمشي بين شوارعها وهو يمشي دون أن يدري وجد نفسه واقفا أمام المقهى الذي كان يأتي إليه بصحبة والده أثناء وقت فراغهما، كأن تفكيره في الماضي أخده إلى هناك فغالبا ما كان يحضران للمقهى لمشاهدة الدوري الاسباني لكرة القدم. كان أباه مولعا بهدا الدوري وخاصة ( افس بارشلونة ) المفضل لديه فعندما يهزم هدا الفريق من طرف فريق آخر يصبح حزينا حتى المرض،وعندما يفوز يكون دلك اليوم يوم سعدهم وفرحهم تخرج الأسرة بكاملها إلى المدينة ويشتري لهم ما يريدون وما يحبون. أخد كرسيا وجلس أمام الطاولة التي كان يجلس بها ليشرب المرطبات وأبوه ليشرب قهوة نص نص أتى النادل:
_ مرحبا يا سيدي
_ مرحبا
_ مادا تحب أن تشرب ؟
_ أريد كأسا نص نص من فضلك
_ لك ما طلبت
_ عفوا أيها النادل أيمكنني أن أسألك!؟
_ نعم
_ أين العم قاسم النادل الذي يعمل هنا ؟
_ العم قاسم الله يرحمه توفي السنة الماضية
_ إن لله وإنا إليه راجعون مسكين كان رجلا طيبا الموت لا يرحم أحدا
_ عفوا هل تريد شيء أخر
_ لا شكرا يمكنك الذهاب
مرت لحظات على جلوسه وهو يشرب القهوة ويستحضر ذكريات المقهى وأوقاته الجميلة وقف عليه شاب في مثل عمره تقريبا.
_ هل لي بشعلة من فضلك؟
_ لا أدخن
_ آسف
_ لا بأس
_ هل لي بالجلوس معك قليلا
_ على الرحب والسعة
_ شكرا أرى أنك أول مرة تجلس هنا !
_ نعم قبل عشرين سنة كنت أجلس هنا برفقة أبي، وها أنا أجلس اليوم وحدي
_ أنا إسمي هشام وأنت ؟
_ خالد، لماذا تدخن يا هشام؟
_ لأنسى هموم الحياة ومشاكل الدهر التي أصبحت ثقلا علي في هذا العالم، إنها الظروف كما يقال. هل تعمل؟
_ كنت أدرس في كلية الطب وتوقفت
_ لماذا توقفت ؟
_ بعد موت خالتي تدهورت حالتي فعجزت عن إكمال دراستي
_ عجبا!
_ وما العجيب في هذا ؟
_ إن وفاة أحد أفراد عائلتك لا يمكنه أن يمنعك عن متابعة مسارك الدراسي
_ عندما أفقد أعز شيء في هذه الحياة أفقد الأمل في كل شيء، لقد أصبحت كالمفجوع ليس لدي أحد في هذه الدنيا
_ أين عائلتك ؟
_ أبي مات وأمي هاجرت إلى أوربا
_ بالكاد مازالت أمك على قيد الحياة. لماذا تنكرها ؟!
_ لأنها تركتني صغيرا وهاجرت، ثم تزوجت وماذا عنك أنت ؟
_ أنا طفولتي مرت كلها وبؤس شؤم فقدت والدي في سن مبكر إثر حادثة سير. بعد ذلك قام عمي برعايتي لمدة دامت حتى بلوغ سن الرشد، كانت زوجة عمي تعاملني كخادم لها ولأبنائها الثلاث في غياب زوجها لم أكن أمارس جميع حقوقي مثل الآخرين حتى الدراسة منعتني منها كانت قاسية جدا معي أما الآن أعيش بمفردي في منزل والدي. لقد ورثت عن أبي كل ما كان يملكه. لملا تنظم إلينا؟ إلى حزب الشباب التائه
_ وما هو هذا الحزب؟
_ إنه مجرد لقب نطلقه على شباب مثلنا تائهون ضائعون، وكذلك لأعرفك على الأصدقاء الآخرين. في الحقيقة سررت بلقائك والتعرف على شاب مثلك
_ أنا أيضا سررت بمعرفتك
_ إذا احتجت إلي فأنا دائما هنا بالمقهى في الصباح
_ حسنا شكرا لك إلى اللقاء أراك لاحقا
عندما يجد نفسه متضايقا وأنه يحس بقنوط يذهب إلى المقهى، ومع الوقت تعرفا كثيرا لبعضهم. في أحد الأيام أخده هشام معه إلى حانة ( ريكس ) للتعرف على مزيد من الأصدقاء الدين يجتمعون كل ليلة يفرحون ويلهون عن أنفسهم وببدرون مشاكلهم كما تقع هذه الحانة على نفس الشارع الذي توجد به المقهى. هاهما يدخلان الحانة:
_ مرحبا يا أصدقاء كيف حالكم ؟
_ نحن بخير
كانت الحانة مليئة بالشباب والشابات، زاخرة بالمرح والأضواء المختلفة الألوان كألوان الطيف. والموسيقى الشعبية وكؤوس الخمر البراقة اللامعة.
_ أقدم لكم صديقي الجديد خالد هذه سمية ونوال وهدا أحمد
_ أهلا وسهلا بك تشرفنا بمعرفتك وبقدومك إلى هنا
نوال
_ يا لك من وسيم !
أحمد
_ لا تحرجي صديقنا الجديد
_ إني شخصيا سعيدة بلقائه
_ وأنا كذلك سعيد بلقائكم
توالت الأيام والشهور وأصبح واحدا من بين الدين تعرف إليهم مؤخرا، فمن عاشر قوما أربعين يوما أصبح منهم. كان معظم الشباب الدين يأتون إلى الحانة من عائلات ميسورة والبعض من الفتيات هم فتيات الشارع أصبح يرتاد المقهى صباحا والحانة ليلا، والمنزل سوى مكان للنوم يسهر مع رفقائه يشربون ويدخنون حتى مطلع الفجر للتمتع بتعاسة الحياة
_ مرحبا نوال كيف حالك؟
_ بخير وأنت؟
_ وأنا كذلك
_ لقد اشتقت إليك كثيرا
_ أنا دائما معكم بالحانة ولا أفارقكم حتى الفجر
_ لا أقصد هذا
_ وماذا...!
_ اقصد بأن أكون معك وبجانبك دائما
احمرت وجنتاه وشعر بقشعريرة تسري في جسده
_ أتعلمين ؟ لم أسمع قط مثل هذا الكلام في حياتي !
_ أحقا !
_ ألم ترتبط بفتاة من قبل؟!
_ في الحقيقة لا
_ شاب في مثل سنك ووسامتك وحيويتك لا يمكنه أن يعيش بدون حبيبة تشاطره حبه!
_ كنت منشغلا بالدراسة وكان حلمي الوحيد، هو أن أصبح طبيبا في المستقبل
_ بالمناسبة أما زلت تدرس؟
_ لقد تركتها بعد وفاة خالتي. أيها الساقي كأسا للآنسة من فضلك
_ شكرا اعذرني فانا فضولية بعض الشيء هل تعيش لوحدك؟
_ نعم
_ من أين تعيش إن كنت لا تعمل ؟
_ أعيش من المال الذي ترسله إلي فاطمة كل شهر من الخارج
_ ومن هي فاطمة ؟
_ إنها أمي
_ لماذا لم تذهب معها إلى الخارج ؟
_ أصرت على أن تأخذني معها إلى هناك فرفضت
_ في الحقيقة لو كنت مكانك لذهبت إلى هناك دون تردد
_ لا أحب ذلك الوطن الذي سلبني أمي، ولا أريد أن يسلبني وطني
_ إن جميع الشباب يريدون الهجرة إلى البلدان الأوربية للعمل والبحت عن عيش أفضل
_ أنا أحب وطني كثيرا ولن أفارقه أبدا حتى الموت. مهما كانت الأحوال
_ أنت لا تعرف مدى قيمة تلك البلدان
_ بل العكس أنت لا تعرفين مدى قيمة بلدك
_ أنت على خطأ
_ وما الصواب إذا ؟
_ الصواب هو إن كان بلدنا نافعا لما غامر الشباب في اللجوء إلى الهجرة السرية عبر قوارب الموت التي لا ترحم تأخذه إلى وسط البحر ثم تعيده الأمواج إلى أرضه جثة خامدة مليئة بمياه البحر المالحة. وما كنا نحن هنا لنلهي أنفسنا ونضيع أوقاتنا الضائعة
_ لهذا أطلق عليكم إسم الشباب التائه
_ نعم إنه إسم يكاد أن يصبح غريبا في المجتمع الكبير، فهم يعتبرونه إسما لا محل له في هدا الزمن
_ لنعد إلى موضوعنا لقد تمادينا في الكلام حتى وصلنا إلى المنفعة وعدم المنفعة من هدا البلد
_ هذه هي فلسفة الحياة
_ أنظر لقد أتى هشام
_ مرحبا يا أصدقاء
_ مرحبا
_ خالد نلتقي غدا في المساء ونكمل حديثتا فكر فيما قلته لك. هشام اهتم بصديقك فهو مليء بالمفاجئات
_ لم تري بعد يا نوال
_ أحقا ما تقول يا خالد ؟
_ إنني أضحك فقط. إلى اللقاء لم أكن أعرف أن نوال فتاة نشيطة ومثقفة
_ أظن أنها مغرمة بك
_ وأنا كذلك أظن أن قلبي مغرم بها
_ أحذرك من أن تقع في كلام الفتيات بالحانة، إنهن جذابات بكلامهن وجمالهن. قد تقع في حفرة لا مفر منها لدا احترس
_ دعنا من هذا الكلام وخد لك كأسا من الويسكي لتنتعش به ذاتك
في صباح اليوم التالي كان جالسا في المقهى يحتسي القهوة ويقلب صفحات مجلة ( نيشان ) وإذا به يرى ولدا في العاشرة من سنه حاملا تحت إبطه صندوقا خشبيا صغيرا، ملابسه مرقعة بأطراف الأثواب المختلفة الألوان والأحجام وهو يقول :
_ سراج... سراح لجميع الأحذية
_ يسأل الناس بالمقهى إذ ما كان يريد أحدهم أن ينظف له حدائه بالسراج. اقترب إليه وسأله
_ هل تريد تن....؟
دون أن يكمل كلامه. رغم أن حدائه ما زال نظيفا رد عليه:
_ نعم أريد
انحنى إلى حدائه ونظفه له بسرعة وسأله
_ من أين تعلمت هذا ؟
_ من أصدقائي أصدقاء الشارع
_ هل تدرس؟
_ لا، بعد دخول أبي إلى السجن بتهمة السرقة لم أجد من يعينني لدا خرجت إلى الشارع للعمل
_ خد هذه واعتني بنفسك
_ شكرا لك كثيرا أتعلم لم يدفع لي أحد عشرة دراهم مقابل التنظيف
فرح الفتى بعدما سلمه المال، فهو كذالك لم يسلم من عوائد الدهر وتقلباته التي لا تنتهي وفي المساء ذهب إلى الحانة كما هي العادة :
_ مساء الخير نوال
_ مساء الخير؛ في الحقيقة كان كلامك صحيحا عن هذا البلد، لقد رأيت اليوم فتى صغيرا مر بالمقهى حاملا صندوقا ويسأل الناس عن من يريد تنظيف حدائه. لم يعجبني ذلك المنظر فالكل ضائع
_ هناك الكثير مثله فالضعفاء دائما ضائعون، هل فكرت فيما قلته لك البارحة؟
_ الأمر لا يحتاج إلى تفكير فأنا أيضا مغرم بك ولا أعرف كيف أعبر عن حبي لك
_ لا داعي لذلك فمن خلال كلامك ونظرات عينيك آمنت بحبك لي
توطدت العلاقة بينهما أكثر فأكثر فباتا لا يفترقان أبدا حتى طلوع الفجر. وفي أحد الأيام أسرت نوال أن تحتفل بعامها الثالث والعشرون برفقة حبيبها خالد في منزله
هاهي تدشن منزله أول فتاة بعد سنة ونصف عن وفاة خالته يدخلان
_ آووه لقد جهزت الاحتفال؟! شكرا لك كثيرا، لكن ينقص شيء مهم هنا على الطاولة
_ ما هو؟
_ الشراب
_ إنه في الثلاجة
_ إن منزلك رائع !
_ لا أظن ذلك. بعد وفاة خالتي فقد المنزل حلاوته وروحه ككائن حي دب إليه الضعف والموت
_ لمن هذه الصور المعلقة على الحائط ؟
_ إنها لأسرتي
_ من هو هذا الرجل الذي على اليمين ؟
_ إنه أبي، والتي بجانبه أمي والأخرى خالتي رحمها الله، وهذا الفتى الصغير هو أنا عندما كنت صغيرا
_ لا زلت محافظا على ابتسامتك ؟
_ ربما قليلا هيا لنحتفل بميلادك
جلسوا على الطاولة ثم أشعل شموع الكعكة وقدم لها هدية وقال:
_ كل عام وأنت بألف خير
_ لم أتوقع أن يكون ميلادي هكذا
بعد انتهائهم من الاحتفال بالميلاد والتكلم عن حياتهم الشخصية، أرادت نوال بأن ترى غرفته وبعدما دخلت إلى الغرفة ارتمت مباشرة على السرير وطلبت منه أن يأتي بالشراب بعد عودته إلى الغرفة وجدها شبه عارية، اقترب منها وفمه مفتوح بالدهشة. طلبت منه أن يجلس بجانبها وقبلته قبلة ذات رنين غريب كان داهلا لتلك القبلة التي سقت كيانه وأيقظت غيبوبة شهوته فقالت له:
_ من اليوم فصاعدا حبي وجسدي رهن إشارتك متى شئت
اتكت على ذراعه لتروي حبه وشهوته بجمال الحب. سارت الأيام على هذا النحو ومرت الأشهر تعقب الأشهر وحياته موزعة بين المقهى والحانة والفتيات. وهذا كله من أجل الاستمتاع بلدة الحياة. كما عرف أن ذلك الحب لم يكن حب عاطفة متبادل بل كان حب متعة ومال، وعندما يأخذ مقعدا على الطاولة تقف الفتيات أمامه لتتبادل معه الغمزات واللمحات يتهافتن على مكان بجانبه والشرب معه فيختار الجميلة والممتعة وعند ذهابه إلى المنزل يأخذها معه ودام على هدا الحال حتى هزل جسمه ودب فيه اليأس دبيب الموت من كثرة السهر والشرب والتدخين التي لا يكاد الإنسان أن ينفك منها حتى تحطمه. وفي أحد الأيام وهو جالس مع أصدقائه يشربون الجعة تلو الأخرى ولا يتوقفون إلا وإذ يجدون أمامهم قارورة تنتظرهم وفي نفس الوقت يلعبون لعبة الرابح سكران فدائما يلعبونها وكان ذلك اليوم دور خالد، كانت اللعبة تعتمد في المرحلة الأولى على شرب كمية كبيرة من الجعة دون توقف حتى الثمالة، وفي المرحلة الثانية على الشخص أن يمر فوق عمود بطول مترين من الخشب وإذا سقط يدفع ثمن مشروبات أصدقائه، وإذا لم يسقط فأصدقائه هم من يدفعون ثمن مشروبه. شرب كثيرا من الجعة وقام فوق العمود وهو يتبختر ليمر عليه وأصدقائه يشجعونه، خطى الخطوة الأولى لكنه في الخطوة الثانية سقط عند انتهائه قرر الرحيل إلى المنزل فقال له أحد الأصدقاء:
_ الم ترضى بخسارتك؟ إجلس لا زال الوقت مبكرا
_ لا إنه مجرد عياء فحسب لدا لا يمكنني أن أكمل السهرة معكم
_ حسنا نلتقي غدا
_ عمتم صباحا إلى اللقاء
عند خروجه من الحانة كان الجو باردا وكانت السماء ملبدة بالغيوم، لم يكن هناك مكان لرؤية النجوم أو شعاع القمر. الريح تتلاعب بين زقاق المدينة وشوارعها منسجتا صوتا معلنا على أن هناك أمطار قد تهطل في أي لحظة. وصل إلى منزله في حالة عياء وتعب، ارتمى على سريره دون أن ينزع حدائه أو يلبس منامته وبعد لحظات من نومه راوده كابوس << أنه كان بالحانة يشرب الخمر، ويدخن الشيشة برفقة أصدقائه. التي تجعل الحانة كمكان لتبخير اللحوم أو شوائها من شدة الدخان الكثيف المعطر برائحة التفاح والنعناع، أحس بعياء معلنا عن انسحابه من السهرة. فقال له هشام :
_ هل نال منك الشراب أم مادا ؟
_ بل نال مني التعب والإرهاق
_ حسنا نلتقي في الغد
اتجه مباشرة نحو الساقي لدفع ثمن مشروبه ودخانه، وبينما يسحب المال من جيبه سقط مفتاح المنزل دون أن يدري. خرج من الحانة كان الجو مكفهرا تراكمت الغيوم في السماء ولمعان البرق يكاد يخطف الأنظار، كانت المدينة خالية في ذلك الوقت والكلاب تتجول في شوارعها وأزقتها للبحت عن قوتها بين الأزبال. والديوك تصيح معلنتا عن اقتراب الفجر. وهو يتمايل دات اليمين ودات الشمال من كثرة الشرب وإذا به لمح في السماء شعاعا فضيا فتجاهله حاسبا أن الغيوم أزالت ستارها عن القمر، لكن ذلك الشعاع كان عبارة عن نور إلهي يلاحقه أحس بأن شيئا غريبا يلاحقه فالتفت ورائه ورأى دلك النور فزاغت ركبتاه وضلله الخوف بأجنحته السوداء شعر بجفاف حلقه وقلبه يخفق من شدة الهلع كأنه يريد الهرب من جسده لولا قفصه الصدري المضلع. وهو يركض راودته الهواجس من كل جانب هل أزفت الساعة؟ إنها نهاية العالم بلا شك، لم يكن هذا بالحسبان. وصل إلى منزله وأدخل يده وهي تقفقف في جيبه ليولج المفتاح في قفل الباب لفتحه فلم يجده بحت عنه في كل جيوبه مما زاده رعبا، والنور أوشك على الاقتراب منه فقال :
_ هده نهايتي لا ريب فأين المفر؟
بدأ بالركض من جديد كأنه لم يكن ثملا عله يجد مكانا يختبئ فيه وإذا به يلمح أنوار مسجد الحي اتجه صوبه مباشرة وصل إليه فوضع رجله اليمنى على عتبة بابه والنور أوشك أن يلمسه ففزع من نومه زائغا والدموع على عينيه سامعا لآذان الفجر وهو يؤدن ووجهه يتصبب عرقا فقال :
_ الحمد لله كأني عشت هذا الكابوس حقيقتا
قام ليستحم للوضوء وقيام الصلاة. لقد كسر الجدار الخطأ الذي كان ورائه عالم زائف مليء بالتفاهات وعبودية الحياة بدلا من عبادة الله الواحد، وكان هذا الكابوس بمثابة نور هداية وطريق صحيح أوصله إلى الحقيقة التي بجب أن يتمسك بها كل إنسان، مهما كان بالاعتدال والتدين بدين الإسلام بعيدا عن كل انحراف وتطرف.
بعد ذلك الكابوس عادت الأمور إلى مجراها السابق. عاد لاستكمال دراسته الجامعية واتصل بأمه طالبا منها أن تسامحه عما وقع بينهما فتسامحت معه بقلب واسع وأنها سوف تأتي للاستقرار ببلدها قريبا.
مرت سنتين حضرت أمه حفل التخرج ثم الاحتفال بشهادة الدكتوراه عندما مسك الشهادة بدء يبكي متمنيا لو كانت خالته بجانبه على قيد الحياة لتبادله فرحته. قامت أمه ببناء عيادة له بالمدينة لن ينسى ذلك الكابوس أبدا الذي مهده إلى الهداية وهذا كله بفضل الله تعالى فهو قادر أن يمنح لعبده الأمل في التوبة والتقرب إليه.
_ أيها القارئ أرجو منك أن تستفيد من هذه القصة وأن تكون عبرة لك ولغيرك ولمن حاول التعرف على عالم الانحراف_
محمد الخـو

  



Vous aimez cet article ?
Partagez-le sur


 Réponse N°1 17972

معانات أبدية : جديد محمد الخو
  Par   Mohammed Elkho  (CSle 29-02-12 à 12:56



معــانـــــــات أبــــــــــدية " محمد الخــــو "

لم ترى في هذا العالم الذي أوشك أن ينفجر أن تقلب موازينه، سوى أناسا يكابرونها بغناهم وجاههم ومكانتهم في المجتمع. وأما المستضعفون أمثالها فقد ورثوا ما جاء بعدها وهي لم تكابر إلا بفقرها ومآسيها التي بعثرت حروفها على حالها. لذا يجب أن تفعل شيئا أن تصرخ أن تركل الفراغ الذي ما لبث أن أصبح جزءا منها، أن تلوم المجتمع أم القدر أم أن تلوم نفسها، لا تستطيع المقاومة، الواقع يفرض ذلك فتنسى كل ما هو مرتبط بها وترتبط بكل ما هو قد يجعلها تكافح وتناضل من أجل أن تسكت بكاء صارخ يتجاوز الفضاء المظلم ويكاد يخترق طبول السامعين. لتجعلهم سعداء غير محتاجين لكن الواقع شيء أخر لا يسمح بذلك.

لم تكن سعاد مثل الفتيات الأخريات لم تنعم بالعيش الكريم أو شيء من السعادة ولو جزء منها كأن هناك شيئا خفيا يكبل سعادتها. كانت وحيدة والديها، توفيت أمها وهي في الثانية عشر من عمرها لم تكن تعرف معنى الموت أو تسمع عنه شيئا، وكيف تسلب أرواح الناس. تسلب الأرواح الطيبة وتبقى الأرواح الخبيثة تتسكع بين أرجاء قلوبهم علها تخطف طيبوبتها. كان موت والدتها فجائيا بدون سابق إنذار. بعد مرور شهرين تقريبا عن موت الزوجة هم الأب إلى أن يبحث عن بديل أخر زوجة تراقب أمور البيت وتعتني بابنته الوحيدة. لكن ما لم يكن في الحسبان هو أن سعاد لم تقبل مند الوهلة الأولى بزوج أبيها مند أن وطأت قدميها عتبة باب المنزل ، حدسها طردها دون أن يستطلع ما في جعبتها. لم تحب أبدا أن تحل امرءة مكانة أمها العزيزة لم تحبها يوما أو ابتسمت لها مرة كانت تنظر إليها نظرة اشمئزاز تشتمها وتحاول أن تقتلها في خيالها لولا الظلمة الحالكة التي تغزوه. كما أن الأخرى لا تكن لها سوى الحقد والكره لا تبالي بها أو تهتم لحالها إلا في حالات قليلة أمام حضرة الأب .

كابدت سعاد وعانت لمدة ست سنوات من المعاناة والبؤس الذي بدوره حاول أن يهرب من جبروت الزوجة وطغيانها ، حتى جاء يوم تفتح فيه أبواب الهناء والسعادة في وجه سعاد حين تقدم شاب عشريني يعمل في مجال البناء، هذا ما كانت تتمناه يوما هو أن يأتي رجل ما يخرجها من كفن زوج أبيها الأسود. حتى أن الأب لم يعد يهتم بها كما كان من قبل لا يعرف سوى أن يأتي بلقمة عيش وأن يغطس بجسده في سريره كل مساء.

انتقلت سعاد بعد زواجها إلى مدينة بعيدة في شمال المغرب هناك أنجبت توئم مريم ومراد، توئم أضاف إليها معنى جديدا في قاموس الحياة معنى مليئا بالحب والحنان والأمومة معنى افتقدته لمدة طويلة. كانت تملأ فراغها بأشغال البيت ومداعبة توئميها وتقص لهما عن جدتهما كيف كانت تعاملها وتعتني بها، وكيف كانت تكره زوجة والدها رغم أن التوئمين لم يكن يفهمان شيئ فلم يتجاوزا التلاث سنوات. ويأتي الأب بعد نهار طويل من العمل الشاق ليأتي دوره في مداعبة وملاعبة ابنه وابنته. لكن ما لم يكن متوقعا هو أن تلك الأبواب التي فتحت في وجه سعاد يوما، ستغلق من وراء ظهرها وكخنجر مسموم طعنت به من الخلف، لقد غدرها القدرلم تتخيل وفاة زوجها بعدما انهار عليه جدر من الإسمنت، كانت تتمنى لو كان هذا حلما، كان خبر وفاة زوجها مثل صاعقة من نار حرقت كل أمل ينبض بالحب والتفاؤل. ماذا ستفعل الأن وفي عشها عصفورين لا يقدران عن الطيران بعد. حاولت أن تفكرفي الإنتحار لكن فكرها أوقفها عن ذلك. ما مصير العصفورين؟ ما ذنبهم؟ لا يمكنهم أن يعيشو أيتاما، لا تريدهم أن يعرفو كيف هي المعانات، من سيداعبهم ويلاعبهم ويروي لهم الحكايات. عند وفاة زوجها أتى أصدقائه في العمل ليساعدونها في تشييع الجنازة، فلم يكن للزوج عائلة أو أقرباء سوى زوجته وابنيه. مثل زهرة قطفت من بستان لتزرع في جنبات الطريق تداعبها أدخنة السيارات. بعد مرور ( حق الله ) عن الزوجة هم إليها رجال كثر يتوافدون عليها طلبا للزواج منها بل طمعا في جمالها الملائكي وشبابها الربيعي. لكنها رفضت لكونها لا تريد أن تضع نفسها في نفس الخطأ الدي ارتكبه والدها عندما تزوج امرءة أخرى مخافة أن يقع لإبنيها مثل ما وقع لها .

خرجت سعاد بحثا عن عمل بعدما انقضى ما كان في حوزتها من مال ادخره زوجها. يجب أن تعمل من أجل إعالة ابنيها وتوفير كل ما يحتاجون، لم تعد تحب صرخة بكائهم التي تغيرت، صرخة تسطو على داتها وعلى قلبها التي ضعفت فيه دقات الأمل. كانت تواجه صعوبات مع أرباب العمل الدين يحاولون التحرش بها. كانت ترفض ذلك، كطير صغير فقد سربه في السماء فلم يجد إلا الصقور الجارحة تحوم حوله. كان مصيرها الطرد فتعود خاوية الوفاض وعلى أكتافها خيبة أمل. ماذا ستطعمهم لقد ملو الشاي والخبز الحافي. أينما حلت طردت. من يلبي حاجيات ومتطلبات ابنيها ؟ من يسكت صرختهم ؟ لا أحد سواها. القلوب الطيبة ماتت وانقرضت فلم يبقى إلا القلوب الخبيثة تتسكع وتهبش بحثا عن قلوبة مجروحة .

حاولت مرارا وتكرارا ألا تكون ضحية للدهر، ألا تسقط في بحيرة الفساد الاجتماعية لكنها لم تفلح كانت بحيرة عميقة عكرة وموحلة. فكان الحل الوحيد هو أن تستسلم لوحوش البشر وأن تخرج برفقتهم لتتسكع رغما عنها ككلاب ضالة .

خرجت سعاد إلى السوق السوداء حيث يروج فيها اللحم البشري على أنواعه الذي أصبح يعرض في الشارع مثل بضاعة أو سلعة التي تلقى إقبالا واسعا من لدن المجتمع الفاسد يتعطش ويتلهف لمثل هذه الأجساد الدابلة لولا بعض القيود لكانت تجارة يفتخر بها، تجارة لها ضريبة غالية الثمن يؤديها المجتمع. يقف شخص ما بسيارته على فتاة ما يتكلمان ويتساومان عن ثمن البضاعة ثم يتفقان ويأخدها معه ويأتي الأخر وهكذا تستمر عملية بيع الأجساد البشرية حتى جاء دور سعاد فوقف عليها شاب بسيارته قائلا:

_ كيف حالك يا جميلة ؟

كانت تعرف أن الجمال له نصيب في هذه السوق لكنها لم تعد تعترف به بعد وفاة زوجها وخروجها لبيعه.

_ كم ثمنك ؟

لم تكن تستطيع الرد فيكون جوابها :

_ هل سنذهب أم لا ؟

فيأخذها إلى كهفه ليشبع غريزته الحيوانية فوق إرادتها المسلوبة التي بدأت تنفد يوما بعد يوم، واستمرت على هذا الحال لم تكن راضية على هذا الفعل الشنيع في حق نفسها وابنيها لكن عوائد الدهر لا تسمح بأن تفكر في مسألة عرضها مما أ بسط ثقله عليها .

محمـد الخــو

شكرا على النشر





InfoIdentification nécessaire
Identification bloquée par
adblock plus
   Identifiant :
   Passe :
   Inscription
Connexion avec Facebook
                   Mot de passe oublié


confidentialite Google +